علي بن محمد البغدادي الماوردي

54

أدب الدنيا والدين

أدرك وانصرافها عما ترك ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك لأن بعض العلم مرتبط ببعض ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها وقد يصح قيام الأوائل بأنفسها فيصير طلب الأواخر بترك الأوائل تركا للأوائل والأواخر فإذا ليس يعرى من لوم وإن كان تارك الكل ألوم . ومنها أن يحب الاشتهار بالعلم إما لتكسب « 1 » أو لتجمل « 2 » فيقصد من العلم ما اشتهر من مسائل الجدل وطريق النظر ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق ويجادل الخصوم وهو لا يعرف مذهبا مخصوصا ولقد رأيت من هذه الطبقة عددا قد تحققوا « 3 » بالعلم تحقق المتكلمين واشتهروا به اشتهار المتبحرين « 4 » إذا أخذوا في مناظرة الخصوم ظهر كلامهم وإذا سئلوا عن واضح مذهبهم ضلت أفهامهم حتى أنهم ليخبطون في الجواب خبط عشواء « 5 » فلا يظهر لهم صواب ولا يتقرر لهم جواب ثم لا يرون ذلك نقصا إذا نمقوا « 6 » في المجالس كلاما مرصوفا « 7 » ولفقوا « 8 » على المخالف حجاجا مألوفا وقد جهلوا من المذهب ما يعلمه المبتدئ ويتداوله الناشئ فهم دائما في لغط « 9 » مضل أو غلط مذل ورأيت قوما منهم يرون الاشتغال

--> ( 1 ) لتكسّب : ليتخذه مكسبا يفوز بفوائده . ( 2 ) لتجمل : ليتزبن بعوائده . ( 3 ) تحقّقوا : رسخوا وتمهّروا في مجادلة الخصوم . ( 4 ) المتبحرين : في العلم ، والمتعمقين فيه . ( 5 ) عشواء : مؤنث أعشى ، مثل أحمر وحمراء ، يقال : عشى الرجل يعشى إذا ساء بصره ، أو عمى ، وخصه بعضهم بعمى الليل كالذي يبصر بالنهار دون الليل : والمراد هنا الناقة التي تركب على غير بصيرة ، ومنه المثل « خبط عشواء في ليلة ظلماء » أي بغير هدى ، لا يعلم موضع رجله . ( 6 ) نمّقوا : حسنوا وزينوا . ( 7 ) مرصوفا : مربوطا بعضه ببعض ، يقال : رصف الحجارة في مسيل الماء يرصفها إذا ضم بعضها إلى بعض . ( 8 ) لفّقوا : المراد : ألقوا عليه ما يشتبه به ، من لفق الثوب يلفقه إذا ضم شقة إلى أخرى ، فخاطها معها . ( 9 ) لغط : بفتحتين ، أو بفتح فسكون : الصوت ، يقال : سمعت لغط القوم أي صوتهم وجلبتهم ، أو هو أصوات مبهمة لا تفهم .